في إطار المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة بولاية سعيدة
شاهدنا ليلة البارحة على الساعة 20:00 بالمسرح الجهوي صراط بومدين سعيدة فيلم “أحمد باي ” إخراج ” جمال شورجيه” وبطولة ” محمد طاهر زاوي” ريم غزالي ” و “جيرارد دوبادجيون”
قدم لنا فيلم أحمد باي محاولة لإعادة إحياء مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر العثمانية، من خلال تتبع شخصية أحمد باي باعتباره آخر رموز المقاومة المنظمة ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر. الفيلم حاول أن يحول هذه المرحلة التاريخية إلى ملحمة بصرية تتقاطع فيها مفاهيم السلطة (الداي الحسين) ، المقاومة( أحمد باي)، والانهيار السياسي (حادثة المرحة) مع التركيز على شخصية الداي حسين وحادثة المروحة سنة 1827 باعتبارها الذريعة التي استعملتها فرنسا لتبرير احتلال الجزائر، وهو ما أعطى للفيلم بعدا سياسيا وتاريخيا مهما.
من الأشياء التي تحسب للفيلم هو الاشتغال الجيد على الجانب البصري، سواء من خلال الأزياء، الديكور، أو الفضاءات التاريخية التي ساعدت في خلق أجواء قريبة من تلك المرحلة. كما أن بعض مشاهد المعارك والمجاميع أظهرت مجهودا إنتاجيا واضحا، خاصة في تنظيم الصورة وإعطاء الفيلم طابعا ملحميا ينسجم مع طبيعة الموضوع.
لكن على مستوى السيناريو، أرى أن الفيلم وقع أحيانا في فخ تمجيد شخصية “أحمد باي” أكثر من بناء صراع درامي حقيقي حوله، خاصة في أول 45 دقيقة تقريبا، حيث ركز الفيلم على تقديم البطل كشخصية مثالية من خلال مواقف متكررة مثل مساعدة الفقراء، العفو عن السجناء، الإصلاح بين القبائل، وتصحيح أخطاء الحكم السابق. صحيح أن هذه المشاهد مهمة في تعريفنا بالشخصية، لكنها أخذت حيزا زمنيا طويلا جعل الإيقاع بطيئا وأخر الدخول الفعلي في الصراع الأساسي المرتبط بالاحتلال الفرنسي.
لأنها من منظور دراماتورجي، تدخل ضمن ما يسميه سيد فيلد (Syd Field) بـ التأسيس الممتد للشخصية على حساب الحدث الدرامي المحرك (Inciting Incident)، وهو ما يؤدي إلى إبطاء انطلاق الصراع الأساسي داخل الفيلم. وهنا أصبح الفيلم أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى البناء السينمائي القائم على التوتر والتصاعد الدرامي.
كذلك، تعدد الخطوط السردية بين قصة أحمد باي، والداي حسين، وقصة أخت أحمد باي القادمة من تونس( ريم غزالي) ، أعطى للفيلم ثراء تاريخيا، لكنه في المقابل ساهم أحيانا في تشتيت التركيز على الشخصية الرئيسية وإضعاف مركزية الصراع.
أما على مستوى التمثيل، فأعتقد أن الأداء كان متفاوتا. الممثل طاهر الزاوي قدم أداء مقنعا واستطاع أن يمنح شخصية أحمد باي حضورا وهيبة، وكذلك الممثلة إيمان نوال التي كان حضورها جيدا في الفيلم رفقة الممثل “جمال عوان” الذي كان في المستوى المطلوب…في المقابل، بدا الضعف واضحا عند بعض الممثلين الآخرين، خاصة في التحكم باللغة العربية الفصحى، حيث سقط البعض في طريقة إلقاء تميل إلى الغناء أكثر من الأداء الطبيعي خاصة ( شخصية أم أحمد باي)، وهو ما جعل بعض الحوارات تبدو مصطنعة وتفقد صدقها الدرامي. لأن الممثل عندما لا يشعر فعليا بما يقوله، لن يستطيع أن يمنح الفعل الدرامي عمقه الحقيقي.
إخراجيا، كانت هناك بعض اللقطات الجميلة بصريا، خاصة في مشاهد المعارك والفضاءات الواسعة، لكن في المقابل وجدت بعض الزوايا غير مبررة دراميا، مثل استعمال لقطة plongée في أول خطاب لأحمد باي، رغم أن هذه الزاوية عادة تستعمل لإضعاف الشخصية بصريا، بينما كان المفروض أن يظهر البطل في موقع قوة وهيبة داخل المشهد.
في النهاية، أرى أن الفيلم نجح في إعادة استحضار شخصية أحمد باي وتقديمها كرمز للمقاومة ولكنه واجه بعض المشاكل على مستوى البناء الدرامي، الإيقاع، وتوجيه بعض الممثلين، ما جعل الفيلم يتأرجح أحيانا بين كونه ملحمة تاريخية سينمائية وبين خطاب تمجيدي أكثر منه دراما متماسكة بالكامل.
عبد اللاهي توفيق






