السينما فن وإبداع .. مسيرة عديلة بن ديمراد وفريال قاسم أسياخم

السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي فن يعبر عن الخيال والإبداع، حيث تتلاقى الأفكار مع التقنية لتحاكي الواقع وتغني الخيال. من خلال مسيرتهما، تجسد كل من عديلة بن ديمراد وفريال قاسم أسياخم هذا التفاعل بين الفن والابتكار والمثابرة. قصتهما التي تميزت بالاختيارات الفنية الجريئة والإرادة الثابتة لتجاوز حدود الإنتاج السينمائي، تسلط الضوء على غنى السينما الجزائرية وإمكاناتها الكبيرة في مجال الابتكار.

عديلة بن ديمراد: مسيرة بحثية وانخراط كامل في صناعة السينما

عديلة بن ديمراد، الممثلة والمخرجة، تمثل رؤية فريدة للسينما، حيث لم تكن مجرد ممثلة تقليدية، بل كانت تسعى دائمًا لتحويل أفكارها وأحلامها إلى واقع ملموس على الشاشة. قبل أن تصبح واحدة من أبرز الشخصيات في صناعة السينما، كانت قد درست الفلسفة، حيث فكرت في مسار أكاديمي كأستاذة، لكن شغفها بالفن سيطر عليها سريعًا. تقول عديلة: “أن تكون ممثلًا يعني تحريك العالم، أما الكتابة فهي بالفعل تشكيل العالم”. هذا الحب لصناعة الخيال وإعادة ابتكار الواقع دفعها للانخراط في الكتابة والإخراج والإنتاج السينمائي.

مسيرتها الفنية تجاوزت دور الممثل، حيث كانت دائمًا تسعى لابتكار أفكار جديدة وتحويلها إلى أفلام تلهم المجتمع. من خلال أفلام مثل “كانيل براد” و”الملكة الأخيرة”، أظهرت عديلة التزامها بالقضايا الإنسانية والفكرية، حتى عندما تواجه الإنتاجات تحديات تقنية أو مالية. تقول عديلة: “لم أكن أريد أن يحبني الجميع. لدي أفكار يجب الدفاع عنها. لدي أحلام”، وهو ما يعكس رؤيتها الواضحة حول أهمية تنوع الآراء وتأثير السينما في المجتمع.

وتظل “الملكة الأخيرة” واحدة من أبرز محطاتها في مسيرتها، حيث قدمت أداء معقدًا بينما كانت منتجة وكاتبة للسيناريو. الفيلم الذي نال اعترافًا عالميًا يبرز قدرة عديلة على التورط في كل مرحلة من مراحل العملية الإبداعية، ما يعكس رؤيتها العميقة حول السينما كوسيلة لتعبير الإنسان عن نفسه، بل هي مغامرة فلسفية وإنسانية وتقنية في آن واحد.

فريال قاسم أسياخم: إبداع غير تقليدي يخدم الفن

أما فريال قاسم أسياخم، فهي مخرجة وممثلة جزائرية واجهت العديد من التحديات المالية والتقنية لصنع أعمال سينمائية عالية الجودة. مسيرتها جعلتها تستكشف تقنيات مبتكرة لتجاوز قيود الميزانية والموارد. في عملها على فيلم “الملكة الأخيرة”، واجهت فريال تحديات كبيرة، بما في ذلك إعادة خلق مشاهد القصف والحمامات الفاخرة في القرن السادس عشر، حيث كانت الميزانية المحدودة تعني استحالة استخدام المعدات المكلفة. ولكن الفريق اكتشف حلولًا إبداعية لتجاوز هذه القيود.

أحد الحلول المبتكرة كان بناء أحواض السباحة باستخدام أنظمة غير مكلفة، مع الاستعانة بغواصين محليين لدعم الفريق. أما بالنسبة للمؤثرات الخاصة، فقد اخترع أحد الفنيين في الفريق نظامًا لتسخين المياه باستخدام المقاومات، مما سمح بمحاكاة مشاهد الحمام المغلي مع ضمان سلامة الممثلين. وتقول فريال: “إنه نظام مبتكر حل العديد من مشاكل الإنتاج”.

وتُظهر تجربة فريال أن الإبداع في السينما لا يقتصر على الإخراج الفني فقط، بل يشمل أيضًا استخدام الذكاء والمرونة التقنية. هذه الخيارات الجريئة جعلت من الممكن خلق بيئة حيث يمكن للخيال أن يتفتح دون قيود الواقع المادي.

فن التصوير تحت الماء: تقنية مبتكرة

لم تتوقف الابتكارات في “الملكة الأخيرة” عند المؤثرات الخاصة فقط، بل شملت أيضًا تقنيات تصوير جديدة، خاصة في مجال التصوير تحت الماء، وهو وضع معقد للغاية بالنسبة للفرق التقنية. إحدى الحلول التي تم العثور عليها كانت إعادة إنشاء مشاهد في البحر باستخدام تقنيات تعلمها الفريق من أفلام أخرى مثل “فك فك البحر”. تم تعديل هذه التقنيات لتتناسب مع الموارد المحدودة للإنتاج، مما سمح بخلق مشاهد غمر مائية باستخدام تقنيات فنية وسلاسة سردية نادرة في السينما الجزائرية.

تقول فريال: “العمل على الخيال” و”ترجمة الأحلام إلى صور” هما المبادئ التي توجه عملها. كل صعوبة تم تحويلها إلى فرصة لاختراع أساليب جديدة، وكل عقبة مالية تم التغلب عليها بفضل روح الفريق والإبداع التقني. هذه العملية جعلت من الممكن خلق مشاهد مثيرة حيث البحر وأسراره تم تصويرهما بدقة فنية وسردية رائعة.

رؤية مشتركة لسينما المؤلف

و أخيرا من خلال أعمال عديلة بن ديمراد وفريال قاسم أسياخم، يظهر أن السينما ليست مجرد مساحة للإبداع الفني، بل هي أيضًا أرض للتحول الاجتماعي والثقافي. ورغم القيود المالية والتقنية التي قد تواجه السينما، يمكن لها أن تكون ساحة للتجربة، حيث يلتقي الخيال والواقع لخلق أعمال ذات جودة عالية. من خلال عملهما، أظهرت كل من عديلة وفريال التزامًا بالأفكار التي يؤمنان بها ورغبة في مواجهة التحديات، مما جعل السينما الجزائرية تبرز وتتفوق خارج الحدود. تذكرنا أعمالهما بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي ميدان للتحول الاجتماعي والثقافي، حيث تتحول الأحلام إلى حقائق مشتركة.

السينما، بتنوع أساليبها وابتكاراتها، تثبت أنها قادرة على تجاوز التوقعات والقيود، وأنه حتى في ظل الموارد المحدودة يمكن خلق أعمال عظيمة.

بقلم : أمين العرابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *