تواصلت فعاليات اليوم الثالث من المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة بدار الثقافة مصطفى خالف، في برنامج ثقافي وفني ثري جمع بين الأدب والسينما، وبين الذاكرة والهوية والمنفى، مؤكّدًا أن هذا الموعد الثقافي لم يعد مجرد فضاء للعروض، بل منصة للحوار والتكوين وإعادة التفكير في علاقة المرأة بالحكاية والصورة.

كان الصباح فلسطينيًا بامتياز، من خلال جلسة أدبية مميزة مع الأديبة سوزان الكنز، التي فتحت أمام الجمهور عوالم الكتابة بوصفها ذاكرة حيّة وجرحًا لا يهدأ. وقد حضرت فلسطين في حديثها لا كمكان جغرافي فقط، بل كحكاية مفتوحة على الألم والأسئلة، حيث تداخلت الذاكرة الشخصية بالمنفى، وتحولت الكتابة إلى فعل مقاومة ضد النسيان.

وفي سياق أدبي موازٍ، حضرت تجربة الكاتبة منال بن شوك من خلال روايتها «ميراث الصمت»، حيث يتحول النسيان إلى أداة للكشف، ويغدو مرض الزهايمر مدخلًا سرديًا لتفكيك الصمت الموروث عبر الأجيال. فالذاكرة، في هذا العمل، ليست مجرد استرجاع للماضي، بل بحث عن هوية نسوية طُمست تحت ثقل الخوف والكتمان.
كما شكّل لقاء الأديبة تسعديت حريز محطة إنسانية دافئة، أعادت من خلالها طرح أسئلة الذاكرة والروابط العائلية والانتماء. وقد حضرت الجزائر في تجربتها كأمّ رمزية لا تنقطع الصلة بها مهما اتسعت المسافات. ومن خلال روايتها «L’amour de soi / حبّ الذات»، برزت رحلة البحث عن الذات بين وطن أول ومنفى جديد، وبين الذاكرة الشخصية والهوية المركبة.

وضمن الدورة التدريبية لأكاديمية السينما المصغّرة، احتضن اليوم ورشة فنية وفكرية بعنوان «حين تصبح الصورة فضاءً للتفكير .. المرأة تعيد تشكيل لغة السينما»، من تأطير المخرجة نينا خدة والفنانة التشكيلية أمينة مينيا. وقد تناولت الورشة تحولات السرد البصري المعاصر، وتعدد مستويات الحكاية، واستعمال الأرشيف والشاشات المتعددة، مع التأكيد على أن المتلقي لم يعد متفرجًا سلبيًا، بل شريكًا في بناء المعنى. وقد منح الحضور الشبابي اللافت للورشة طابعًا حيويًا جعل منها مساحة حقيقية للتكوين والنقاش.
ومع حلول المساء، جاءت الأمسية السينمائية تونسية في روحها الأولى، حيث تفاعل الجمهور مع أفلام فتحت أسئلة المرأة، الأرض، الحرية، والمعاناة الاجتماعية. افتُتحت العروض بالفيلم القصير «ثنية عيشة / Le Sentier de Aïcha» للمخرجة سلمى الهبي، وهو عمل درامي يروي رحلة “عائشة”، الشابة التي تجد نفسها في صراع بين مجتمع أبوي خانق ورغبتها العميقة في التحرر. ومن خلال مسارها من براءة الطفولة إلى تعقيدات الحياة الزوجية، يكشف الفيلم عن امرأة عالقة في زواج مضطرب، تواجه العنف المنزلي وتحاول استعادة هويتها وكسر القيود المحيطة بها.

وتواصلت الأمسية مع فيلم «الطماطم الملعونة / Tomates Maudites» للمخرجة مروى طيبة، الذي نقل الحضور إلى قرية صغيرة جنوب تونس، حيث يكافح نوار ورؤوف من أجل الحفاظ على زراعة الطماطم في مناخ قاسٍ ودخل ضعيف ويأس متصاعد. يضع الفيلم شخصياته أمام خيار مؤلم بين التخلي عن الأرض أو مواصلة الصراع من أجل البقاء، كاشفًا عن المعاناة النفسية والاجتماعية للفلاح في واقع يزداد صعوبة.
وفي لحظة سينمائية وإنسانية موازية لما حمله اليوم من ثقل الذاكرة وتعدد الأصوات، عرض الفيلم المرجعي صمت القصور للمخرجة الراحلة مفيدة التلاتلي، وسط حضور نوعي من وجوه فنية وثقافية وجمهور شاب، في لقاء امتزجت فيه السينما بالذاكرة، والتكريم بالفعل الثقافي الحي. ولم يكن هذا العرض مجرد استعادة لعمل كلاسيكي، بل استحضارًا لذاكرة سينمائية عربية شكّلت منعطفًا في كتابة الصورة النسوية. فالفيلم، الصادر سنة 1994 والمصنّف ضمن أبرز الأعمال النسوية عالميًا، يشتغل على ثنائية الصمت بوصفه قمعًا، والصمتات بوصفها تعددًا للأصوات المخفية، كما يعكسه عنوانه بين العربية والفرنسية (Les silences du palais). ومن خلال حس بصري دقيق اكتسبته التلاتلي من تجربتها في المونتاج، ينسج العمل بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، مقدّمًا قراءة نسوية حساسة لمرحلة البايات في تونس. وقد فتح العرض نقاشًا عميقًا حول تحولات المجتمع ومكانة المرأة، حيث بدا الفيلم، رغم مرور الزمن، وثيقة حيّة تمكّن الأجيال الجديدة من تفكيك تاريخ مسكوت عنه، ليؤكد أن «صمت القصور» لم يعد مجرد فيلم، بل إرثًا بصريًا يقاوم النسيان، ويواصل طرح أسئلة الهوية والحرية بصمتٍ لا يزال يتكلم .

أما الفيلم الفلسطيني «نساء من غزة / Women from Gaza»، فقد أضاف إلى الأمسية بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، إذ ركّز على معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني، ليس فقط أثناء الحرب والقصف، بل حتى في فترات الاستقرار الهشّ التي تترقب الانفجار في أي لحظة. قدّم الفيلم يوميات النساء والأطفال في غزة، حيث يبدو الهدوء مؤقتًا ومعلّقًا، وتظل الحرب احتمالًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
ومن خلال مشاهده، كشف العمل كيف يحاول الناس التعايش مع واقع قاسٍ وغير طبيعي، تتحكم فيه المخاوف والحصار وآثار الدمار وانتظار القصف القادم. لذلك لم يعرض الفيلم المأساة بوصفها لحظة عابرة، بل كحالة نفسية مستمرة، يعيش فيها الإنسان بين رغبة الحياة وتهديد الموت الدائم.
واختُتمت العروض بالفيلم الوثائقي «الشيباني / Chibanis» للمخرجة هدى فتوان، الذي اقترب من شريحة منسية من الشيوخ الجزائريين الذين غادروا وطنهم في سن مبكرة واستقروا بمدينة مرسيليا الفرنسية تحت ضغط الحاجة بحثا عن العمل.
يروي الفيلم حكايات رجال حملوا مسؤولية إعالة عائلاتهم بعد الاستقلال، في زمن كانت فيه الأمية والفقر يثقلان المجتمع، فوجدوا أنفسهم في مسارات عمل قاسية، دون حماية كافية، قبل أن يكبروا وهم عالقون بين وطن بعيد وواقع قانوني واجتماعي لا يرحم .
وقد تركت العروض السينمائية أثرًا واضحًا في الجمهور، حيث تراوحت ردود الفعل بين الصمت والتأثر والنقاش، خاصة أمام القضايا الإنسانية التي طرحتها الأفلام، من عنف المجتمع الأبوي، إلى معاناة الفلاح، وصولًا إلى يوميات الفلسطينيين تحت الاحتلال، وذاكرة العمال الجزائريين في المهجر. وتحولت القاعة إلى فضاء للتأمل الجماعي، بما يؤكد أن السينما، حين تقترب من الإنسان، تصبح أكثر من صورة؛ تصبح شهادة وذاكرة وسؤالًا مفتوحًا.
وبين صباح فلسطيني مشبع بالبوح والذاكرة، وأمسية تونسية حملت قوة الصورة وعمق التجربة السينمائية، رسّخ اليوم الثالث من المهرجان مكانته كلحظة ثقافية جامعة، جعلت من المرأة مبدعة وراوية وشاهدة، ومن الأدب والسينما فضاءين لإعادة قراءة الذات والتاريخ .
بقلم : أمين العرابي






