احتضنت دار الثقافة مصطفى خالف بمدينة سعيدة، في افتتاح فعاليات المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة، برنامجاً ثقافياً متنوعاً ومكثفاً، جمع بين الفكر والإبداع والتكوين، في مشهد عكس حيوية الفعل الثقافي المحلي وقدرته على استقطاب جمهور نوعي ومتذوق للفن. وجاءت الانطلاقة في صباحٍ وُصف بالرائع، بعد افتتاح مميز منح التظاهرة نَفَساً احتفالياً راقياً، وكرّس منذ اللحظة الأولى روح اللقاء والحوار. وفي المساء، تحوّلت قاعة سينما دنيا زاد إلى فضاء نابض بالصورة والذاكرة، حيث امتلأت عن آخرها بجمهور أكد، مرة أخرى، أن سعيدة باتت محطة ثقافية تُنتظر بشغف.

لقاء أدبي عابر للحدود… الشعر والرواية بين الهوية والحرية
استُهلّ البرنامج بلقاء أدبي جمع الأديبة الجزائرية وسيلة بوسيس بنظيرتها الإسبانية آنا بيليسير، في حوار ثقافي ثري تمحور حول “الكتابة بصيغة المؤنث بين التراث والحداثة”، وانفتح على أسئلة الشعر والرواية، وعلاقة اللغة بالهوية، وحدود التعبير النسوي في السياقات المختلفة.

وقد شكّل اللقاء لحظة إنسانية وفكرية عميقة، حيث عبّرت الكاتبة الإسبانية عن إعجابها الكبير بمدينة سعيدة، مشيدة بدفء الاستقبال ووعي الجمهور، الذي وصفته بـ”المثقف والمتفاعل”، خاصة حضور الطلبة والمهتمين الذين تابعوا النقاش باللغة الإسبانية، وشاركوا بأسئلة دقيقة عكست اهتماماً حقيقياً بالأدب الإسباني المعاصر.
وتوقفت آنا بيليسير عند تجربتها الروائية، متحدثة عن كتابها الذي يتناول قصة حب تنمو في ظل الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا سنة 2008، حيث يتحول الحب إلى اختبار للكرامة والإنسانية في مواجهة الهشاشة الاجتماعية. وأكدت أن الرواية، بالنسبة لها، ليست مجرد سرد، بل “مكان للحقيقة”، تتيح للكاتب إعادة بناء الواقع وكشف طبقاته الخفية، كما دافعت عن حرية المرأة في الكتابة والتعبير، باعتبارها فاعلاً أساسياً في إنتاج المعنى.
من جهتها، أكدت الأديبة وسيلة بوسيس أن مثل هذه الجلسات تشكّل “محطة حقيقية للحوار والتشارك”، موضحة أن المبدع، حين يتحدث عن تجربته، لا يكتفي بسردها، بل يغوص في عمق التجربة الإنسانية، حيث يلتقي مع صانع السينما في سعيٍ مشترك نحو السمو، والجمال، والمحبة، والأمل، وهو ما يمنح هذه اللقاءات بعداً إنسانياً يتجاوز حدود التخصصات.
واختُتمت الجلسات الأدبية بفضاء توقيع وبيع الكتب، حيث التقى الجمهور بالأديبات في لحظة تواصل مباشر، تحوّلت إلى احتفاء بالكتاب وبالقراءة، وعكست تعطّش الجمهور لمثل هذه المبادرات الثقافية الحيّة.
من الفكرة إلى الصورة… التكوين كرهان على المستقبل
وفي سياق دعم المواهب الشابة، احتضن المهرجان ماستر كلاس في كتابة السيناريو ضمن “منحة زرماني”، أشرفت عليه الفنانة مريم مجقان، عضو لجنة التحكيم، بحضور طلبة الأكاديمية المصغرة للسينما. وقد ركّزت الورشة على تقنيات بناء الفكرة الدرامية، وتشكيل الشخصيات، وتحويل الحكاية إلى نص بصري قابل للتجسيد.
هذا البعد التكويني منح التظاهرة عمقاً إضافياً، مؤكداً أن المهرجان لا يكتفي بعرض الأعمال، بل يسعى إلى صناعة جيل جديد من المبدعين، عبر مرافقة حقيقية للمواهب الصاعدة.
سينما الذاكرة… حين تحكي الصورة ما لا يُقال
مع حلول المساء، انتقل الجمهور إلى قاعة دنيا زاد، حيث بدأت عروض الأفلام في أجواء احترافية تميزت بحضور صناع الأعمال وثراء النقاشات التي أعقبتها.
وعرفت المسابقة الرسمية عرض مجموعة من الأفلام القصيرة التي تنوعت في رؤاها وأساليبها، من بينها فيلم “حارس الليل” (GARDIENNES DE NUIT) للمخرجة نينا خدة ، التي قدمت معالجة بصرية ذات بعد نفسي وإنساني عميق، مزجت بين الصمت الدلالي والتوتر الداخلي للشخصيات. كما عُرض فيلم “اضطراب النظم” (ARYTHMIE) للمخرجة ياسمين بن ناصر من تونس، الذي لامس بتقنية حساسة اضطرابات الداخل الإنساني، وفيلم “COLLATERAL” (الضمانات) للمخرج يزيد يتو (الجزائر)، الذي قدّم قراءة درامية لأسئلة المسؤولية والاختيار، إلى جانب فيلم “مسألة شرف” (UNE QUESTION D’HONNEUR) للمخرج أسامة قبي (الجزائر)، الذي طرح إشكاليات القيم والكرامة في سياق اجتماعي معاصر. وقد جاءت هذه الأعمال ضمن المسابقة الرسمية، مؤكدة تنوع التجارب السينمائية الشابة وجرأتها الفنية.
وكان فيلم “حَدّة” للمخرج أحمد رضا و البطلة ليديا لعريني من أبرز المحطات، حيث قدّم صورة رمزية لامرأة جزائرية مقاومة، جسدت في عمقها معاناة الوطن خلال الثورة. ظهرت “حدّة” كطبيبة للثورة، تحوّل كوخها البسيط إلى ملاذ لعلاج المجاهدين وتكوين الممرضات، في سردية وفاء للمرأة الجزائرية التي شاركت بصمت في صنع الاستقلال.
أما الفيلم الطويل “بوبية” للمخرج ياسين بوعزيز، فقد قدّم قراءة سينمائية مركبة للذاكرة الجزائرية، جامعاً بين محطات تاريخية ونفسية تمتد من الثورة التحريرية إلى العشرية السوداء، وصولاً إلى الجيل الجديد. وطرح العمل أسئلة عميقة حول القلق الوجودي، والهشاشة النفسية، وصعوبة التعايش مع إرث الذاكرة الثقيلة.
واختُتمت العروض بفيلم “رُقية” للمخرج يانيس قوسيم، الذي عاد إلى واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجزائر، مستحضراً أثر العشرية السوداء في الوعي الفردي والجماعي، مع تسليط الضوء على التداخل بين الدين والخوف والتأويل، في معالجة تركت أثراً واضحاً لدى الجمهور.
جمهور يقرأ… لا يكتفي بالمشاهدة
ما ميّز هذه العروض، إلى جانب مستواها الفني، هو طبيعة التفاعل الذي أعقبها، حيث تحولت قاعة السينما إلى فضاء للنقاش الحر، عبّر فيه الجمهور عن قراءات نقدية واعية، وطرح أسئلة تقنية وجمالية عكست نضجاً ثقافياً لافتاً.
وقد عبّر عدد من الحضور عن إعجابهم الكبير بهذه الطبعة، معتبرين أنها تختلف عن سابقاتها بروحها العصرية وانفتاحها على أشكال جديدة من التفاعل، حيث لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل شريك فعلي في التجربة الفنية. كما نوّهوا بالمساحة التي مُنحت للشباب المبدع، سواء من خلال الورشات أو المسابقة الرسمية، وهو ما يعكس توجهاً واعياً نحو الاستثمار في الجيل الجديد ومنحه أدوات التعبير والظهور.
وقد عبّر المخرجون والممثلون بدورهم عن ارتياحهم لمستوى النقاش، مشيدين بجمهور سعيدة الذي بات يقرأ العمل السينمائي بوعي نقدي، ويُسهم في إثرائه فكرياً وجمالياً.
تظاهرة تتجاوز العرض… نحو صناعة المعنى
يؤكد اليوم الثاني من المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة بسعيدة أن هذه التظاهرة تجاوزت كونها مجرد فضاء للعروض، لتتحول إلى منصة ثقافية متكاملة، تزاوج بين الأدب والسينما والتكوين والنقاش، وتمنح المرأة المبدعة موقعاً مركزياً في صناعة الذاكرة الجماعية والجمال الفني.
إنه مهرجان لا يعرض فقط… بل يُفكّر، يُناقش، ويُعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان، الهوية، والحرية، في أفقٍ ثقافي يراهن على الجمال بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة والأمل.
بقلم : أمين العرابي






