شهد اليوم الرابع من المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة برنامجًا ثقافيًا غنيًا ومتنوعًا تخللته عروض سينمائية ونقاشات فكرية حول مفاهيم الذاكرة، الغياب، والتحولات الاجتماعية.
جمع الحدث حضورًا جماهيريًا لافتًا، خاصة من الطلبة المهتمين بالسينما والأدب، في جوٍ من التفاعل الثقافي والفكري .

الكتابة النسائية بين الذاكرة والتاريخ
افتتح البرنامج بلقاء أدبي مميز مع الأديبة وفاء غربال، التي تحدثت عن “كتابة النساء بين الذاكرة والتاريخ والخيال في مجتمعات تشهد تحولات” مع الإعلامية آنيا مزاغر. تطرقت غربال في حديثها إلى العلاقة بين الأدب والذاكرة الجماعية، مؤكدةً على قدرة الكتابة النسوية في إعادة تشكيل الذاكرة وإضاءة الجوانب الأكثر عمقًا من التجربة الإنسانية، بعيدًا عن السطحية والتقليد حيث رافعت لتحويل الكتابة إلى موسيقى والوجع إلى حرية .
وقد استوقفت الكاتبة الحضور وهي تستحضر صورة “الياسمين الأسود”، ذلك الرمز الذي اختارته للتعبير عن فلسفتها الفنية، حيث يتجاور النور والظلام، والرقة والقسوة، والجمال والوجع. فالنور، في تصورها، لا يظهر بكامل قوته إلا حين ينبثق من قلب العتمة، والكتابة لا تكون مؤثرة إلا حين تحمل أثر الجرح وتحوله إلى معنى.
الماسر كلاس للسينما: سارة برتيمة ومفاتيح صناعة السيناريو
كما كان لطلبة الأكاديمية المصغرة للسينما فرصة حضور ورشة عمل قدمتها كاتبة السيناريو سارة برتيمة، التي تحدثت فيها عن “قوة الكلمة واختصارها” في السيناريو. شددت برتيمة على ضرورة الابتعاد عن الحشو الزائد في النصوص، مشيرة إلى أن أحيانًا كلمة واحدة أو حركة بسيطة يمكن أن تروي كل شيء. الورشة كانت فرصة حقيقية لتبادل المهارات والخبرات بين المحترفين والشباب الطامحين في عالم السينما.
العروض السينمائية: أفلام قصيرة تطرح قضايا إنسانية عميقة
في جانب العروض القصيرة، تابع الجمهور مجموعة من الأفلام التي أثرت فيهم بشكل عميق، حيث طرحت قضايا متنوعة، من الغياب والوحدة إلى الهوية والحقيقة.
فيلم “Sans vous” للمخرج نجيب فوزي أولبصير، وهو دراما قصيرة تُعالج قضية الغياب وتفكك الروابط العائلية من خلال قصة مهاجر مسن يعيش بين ذاكرة الوطن وغياب الأبناء. يقدم الفيلم لمحة مؤثرة عن الوحدة التي يشعر بها الإنسان في المنفى، وعن الحنين الدائم للعودة إلى الجذور.
أما فيلم “Nicole que de l’amour” للمخرجة غالية نباش، فيستعرض الحب كذاكرة ووفاء وعلاقة وجدانية تتجاوز الزمن، حيث تنغمس شخصيات الفيلم في خيوط معقدة من العلاقات العاطفية التي تتحدى الحدود الزمنية وتسلط الضوء على قيم الوفاء.
بينما أضاف فيلم “Victime Zéro” للمخرج أمين بن تامر لمسة من الإثارة والتشويق حول مواضيع القضايا الاجتماعية المعاصرة .
أما فيلم “Veritas” للمخرج توماس كاستينغ، فقد حمل لنا بعدًا بصريًا وفكريًا عميقًا، حيث يتناول البحث عن الحقيقة بأسلوب فني محكم، ليكشف لنا عن جوانب متعددة لمفهوم الحقيقة في عالمنا المعاصر.
العروض الطويلة: بين التاريخ والذاكرة
في فقرة الأفلام الطويلة، كانت عروض اليوم الرابع مميزة أيضًا. كان من أبرز المحطات عرض “Palestine 36” للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي يعيدنا إلى فلسطين في عام 1936، ليعرض لنا فترة مفصلية من مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار البريطاني. فيلم تاريخي يتسم بالقوة الدرامية ويقدم رواية تحمل بين ثناياها الكثير من الألم والأمل.
كما قدم ” العواصف ” ” Les Tempêtes” للمخرجة دانيا ريموند، عملاً سينمائيًا يتنقل بين الدراما والرمزية، حيث يستحضر الذاكرة الجريحة ويطرح آثار العنف والصدمة الجماعية التي تعيشها المجتمعات، مبرزًا التحديات النفسية والجسدية التي تواجهها الأجيال في ظل الأزمات المستمرة.
ختام اليوم الرابع: تلوين الحياة بالفهم بعيدًا عن التصنع
اختتم اليوم الرابع من المهرجان بأجواء ثقافية وفكرية مميزة، حيث أثبت المهرجان من خلال عروضه ولقاءاته الفكرية أن السينما والأدب لا يقتصران على مجرد الترفيه، بل هما وسيلتان حقيقيتان لفتح آفاق الفهم العميق للإنسان والمجتمع. اليوم لم يكن مجرد عرض للأفلام، بل كان دعوة للتفكير والتفاعل مع التاريخ والذاكرة والإنسانية. في هذا اليوم، كانت السينما والأدب قادرين على تلوين الحياة بالفهم، بعيدًا عن التصنع والتكلف، ليقدموا صورة أكثر صدقًا وعمقًا لحياة الإنسان.
وفي الختام، يظل المهرجان بعيدًا عن المظاهر والتصنع والحكم المسبق، كما يرفض سوء النوايا التي قد ترافق أي نشاط ثقافي أو فني. بل على العكس، هو مكان للإبداع والمحبة الخالصة. يُظهر هذا المهرجان أن النجاح ليس في الانخراط في الصراعات الخارجية، بل في النقاء الداخلي الذي يضمن التصالح مع النفس. ومن هنا، تُثبت السينما والأدب أنهما ليسا مجرد أدوات تعبير، بل مسارات حقيقية نحو فهم أعمق للعالم من حولنا، بعيدًا عن كل ما هو سطحي، ليظل الفن مرآة حقيقية للروح الإنسانية.
بقلم : أمين العرابي






