بوبيه: حين تتحول الكوميديا إلى خطاب بصري ونفسي

في إطار المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة بولاية سعيدة شاهدنا امسيه البارحه بقاعه سينما دنيا زاد فيلم “بوبيه” من اخراج “ياسين بوعزيز “وبطولة “عثمان لعڤاب محمد”

تدور أحداث الفيلم حول شاب بسيط يعيش في حي شعبي داخل عائلة محدودة الحال، حيث تكشف البداية عن توتر يومي بين أفراد الأسرة، خاصة مع أخ غاضب وأم مرهقة من روتين الحياة. يتلقى خالد اتصالا غامضا من فتاة تدعوه لزيارتها ليلا، فيندفع بحماس نحو هذه المغامرة رغم تردده، ليقرر سرقة سيارة أخيه في خطوة تعكس صراعه الداخلي بين الخوف والرغبة.

تتحول رحلته إلى سلسلة من المواقف العبثية، تبدأ بحادث عرضي على الطريق يعطل تقدمه، ثم يواجه رجلا عجوزا مصابا بمرض الزهايمر يعيش في ذاكرة الثورة ويرى في البطل عدوا، قبل أن يجد نفسه في مواجهة مجموعة مسلحة تقوم باختطافه وإخضاعه لطقوس قاسية ذات طابع ساخر ومقلق في آن واحد.

وسط هذه الأحداث، تتصاعد المفارقات الكوميدية ، حيث ينتقل البطل من موقف إلى آخر دون سيطرة حقيقية، إلى أن يتمكن في النهاية من الهروب والعودة. وتكشف هذه الرحلة، رغم طابعها الكوميدي، عن واقع نفسي واجتماعي هش، حيث يتحول المسار البسيط إلى تجربة فوضوية مليئة بالخوف والعبث.

يبدو أن السيناريو في فيلم بوبيه كان واعيا منذ البداية بخياره الأساسي: الاعتماد على الفعل بدل القول. فالأحداث لا تتقدم من خلال سلسلة من المواقف التي يجد البطل نفسه مجبرا على خوضها. كل موقف يقوده إلى آخر، وكأننا أمام بنية قائمة على التراكم، حيث يتحول الفعل البسيط إلى نقطة انطلاق لمسار أكثر تعقيدا.

ويتضح ذلك بشكل جلي من لحظة قرار سرقة سيارة الأخ؛ هذا الفعل أسس لما تلاه من أحداث: حادث الطريق، ثم لقاء العجوز المصاب بمرض الزهايمر، وصولا إلى الوقوع في قبضة المجموعة المسلحة(الإرهاب) هنا يمكن استحضار القاعدة الكلاسيكية في الكتابة الدرامية التي تقول إن “كل فعل درامي حقيقي يجب أن يخلف أثرا”، وهو ما احترمه الفيلم إلى حد كبير، حيث أن الأحداث لم تبدو معزولة أو اعتباطية، بل مترابطة ضمن منطق السبب والنتيجة.

من جهة أخرى، ركز السيناريو بشكل واضح على مسار البطل، خاصة في علاقته بالعجوز، التي بدت من أكثر العلاقات كثافة داخل الفيلم. فهذه الشخصية، رغم وضعها الهش، تحولت إلى عنصر دافع نحو الذروة، وكأنها تحمل ذاكرة أخرى تتقاطع مع مسار البطل وتعيد توجيهه.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن شخصيات مثل الأخت، الأم، وحتى ابنة العجوز، بقيت في حدود التقديم الأولي، دون أن يمنحها السيناريو فرصة حقيقية للتطور. وهذا يطرح نوعا من عدم التوازن، لأن الفيلم فتح خيوطا درامية في البداية ثم لم يعد إليها لاحقا، رغم ما كانت تحمله من إمكانات يمكن أن تعمق الصراع وتمنح البطل مرآة أخرى لتطوره.

أما على مستوى الكوميديا، فأعتقد أن الفيلم نجح في الابتعاد عن النكتة اللفظية المباشرة، واتجه نحو كوميديا الموقف. ويمكن الاستدلال هنا بمشهد مواجهة البطل للمجموعة المسلحة، حيث ينبع الإضحاك من المفارقة: شخصية ضعيفة، في وضع هش، تتحول فجأة إلى مصدر تهديد. هذا النوع من الكوميديا، كما يرى هنري برغسون، يقوم على “التناقض بين ما هو متوقع وما يحدث فعلا”، وهو ما استثمره الفيلم بذكاء في أكثر من موضع.

في تقديري، يعتمد فيلم بوبيه على بناء سيميائي واضح، لكن دون تعقيد مبالغ فيه، من أبرز هذه الرموز شخصية العجوز المصاب بمرض الزهايمر، الذي لا يعيش الحاضر بقدر ما يعيد إنتاج الماضي. هذا التداخل بين زمنين يجعل الشخصية، في نظري، أقرب إلى تجسيد لذاكرة جماعية لم تحسم بعد ،الغابة توحي بالخطر والغموض، أما الخيمة فتمثل لحظة الاختناق، حيث يبلغ التهديد أقصاه. هذا التقسيم في الفضاءات ليس اعتباطيا، بل ينسجم مع تصاعد التوتر داخل القصة ، مشهد العباءة النسائية كان من أكثر اللحظات التي توقفت عندها. في ظاهره هو إذلال واضح، لكن في العمق يتحول إلى مفارقة بصرية قوية: نفس هذا الضعف الظاهري يصبح لاحقا مصدر قوة، حين يتمكن البطل من إخافة المجموعة المسلحة. هنا يشتغل الفيلم على فكرة أن القوة قد تكون وهما ( بالنسبة للجماعات الإرهابية ) وأن الخوف يمكن أن ينقلب في أي لحظة.

يعتبر الأداء التمثيلي من بين العناصر القوية في فيلم بوبيه، خاصة على مستوى شخصية البطل، التي وجدت نفسها في منطقة حساسة بين الكوميديا والمبالغة. فالممثل “عثمان” كان مهدد في كل لحظة بالانزلاق نحو الكاريكاتير السهل والضحك المبالغ فيه، غير أنه استطاع التحكم في هذا الخيط الرفيع، وقدم أداء مبنيا على فعل جسدي نابع من حالة نفسية حقيقية، وليس مجرد ردود أفعال مفتعلة أو استعراضية. أما شخصية الأخ الغاضب، التي جسدها الممثل “إبراهيم دريس”، فرغم محدودية حضورها داخل زمن الفيلم، إلا أنها كانت من أكثر الشخصيات تأثيرا. فقد نجح الممثل في إعطاء هذه الشخصية بعدا سلطويا واضحا، من خلال النظرات، تعبيرات الوجه، وطريقة الحضور، مما جعلها تبدو كقوة ضاغطة على البطل حتى في غيابها النسبي عن المشاهد.

في المقابل، جاءت شخصية “هناء منصور” أيضا بحضور محدود جدا، خاصة في الجزء الأول من الفيلم من خلال علاقتها بالقطة، ثم ظهورها المتأخر في النهاية. غير أن هذا الحضور لم ينجح في خلق إضافة درامية حقيقية، إذ بقي دورها أقرب إلى وظيفة عابرة لم تتطور داخل البناء السردي، ولم تترك أثرا واضحا في مسار الأحداث أو تطور الشخصيات.ومن العناصر اللافتة في البناء الدرامي أيضا لفيلم “بوبيه” توظيف شخصية “ميميشة” التي جسدتها الممثلة “منى لشطر” عبر الصوت فقط، دون ظهور جسدي مباشر. ورغم هذا الغياب البصري، فإن حضورها كان من أكثر العناصر تأثيرا في دفع السرد إلى الأمام ،حيث لعبت نبرة الصوت، مخارج الحروف، وإيقاع الكلام دورا حاسما في بناء الإقناع والتأثير. فكل تواصل هاتفي مع البطل خلق حالة من الترقب والتوتر، ويدفع الشخصية الرئيسية إلى اتخاذ قرارات جديدة تسهم في تطور الحدث.هذا الاختيار عكس وعيا إخراجيا وسيناريستيا بأهمية “الصوت خارج الكادر” كعنصر بنائي، فميميشة، رغم غيابها الجسدي، فرضت “منى لشطر” حضورها داخل وعي المتلقي، وتتحول إلى قوة درامية خفية تقود الأحداث من الخلف، وهو ما منح الشخصية بعدا تخييليا يجعلها أكثر تأثيرا مما لو ظهرت بصريا.

خلاصة فيلم بوبيه تعتبر تجربة مهمة في سياق الكوميديا الجزائرية، ويبدو أن المخرج “ياسين بوعزيز” كان واعيا بهذا التحدي، فنجح في ضبط إيقاع العمل وتوجيهه نحو كوميديا قائمة على الموقف والتطور الدرامي، دون الانزلاق إلى التفكك أو الاستسهال.

عبد اللاهي توفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *