تسعديت حريز .. حين تتحول الذاكرة إلى وطن والكتابة إلى بحث عن الذات

احتضنت دار الثقافة مصطفى خالف بسعيدة، في مستهل أيام المهرجان، لقاءً أدبيًا مميزًا مع الأديبة تسعديت حريز، في جلسة حملت الكثير من العمق الإنساني والجمالي، وفتحت نقاشًا واسعًا حول الكتابة، الذاكرة، الروابط العائلية، الهوية، وعلاقة الإنسان بوطنه الأول.

وخلال اللقاء، تحدثت الأديبة عن الكتابة بوصفها مساحة لاستعادة ما يوشك أن يتلاشى، حيث حضرت العائلة والذكريات واللغة باعتبارها خيوطًا سرية تربط الإنسان بماضيه، حتى وإن ابتعد عنه جغرافيًا. وقد شبّهت علاقتها بالجزائر بعلاقة الابن بأمه؛ قد يكبر، يسافر، يدرس أو يؤسس حياته في مكان آخر، لكن الأم تبقى أمًا، والرابط بها يظلّ راسخًا لا ينقطع.

كما توقفت حريز عند حبها العميق للغة الجزائرية، مؤكدة أن هذا الحب لا يعيش في الذاكرة فقط، بل يسكن تفاصيل الحياة اليومية. ففي شوارع باريس، أو أثناء الاستماع إلى موسيقى أو عبارة مألوفة، تعود إليها صور الجزائر دفعة واحدة: الضوء، الأصوات، الوجوه، والحرية الداخلية التي طبعت طفولتها ووجدانها.

وتعرّج اللقاء على روايتها «L’amour de soi»، التي تروي مسار امرأة شابة، ابنة لأم فرنسية وأب جزائري، تضطر إلى مغادرة مسقط رأسها نحو فرنسا في أعقاب العشرية السوداء في الجزائر. ومن خلال هذه الرحلة، تستكشف الرواية تمزق البطلة بين ذاكرة الجزائر وحضور باريس المفاجئ، في بحث داخلي عن معنى حب الذات، وعن إمكانية التصالح مع الجذور والمنفى في آن واحد.

كما حضرت في النقاش قضايا الأدب النسوي وتمثيل المرأة في الكتابة، من خلال شخصية روائية شغوفة بالأدب لا تقرأ إلا للنساء، اعتقادًا منها أن الأصوات النسائية وحدها قادرة على مساعدتها في فهم ذاتها. غير أن لقاءها برجل لا يقرأ إلا للرجال يدفعها إلى اكتشاف عالم آخر، فتبدأ في قراءة الروايات المكتوبة بأقلام ذكورية، لا للتخلي عن قناعاتها، بل لفهم الفكر الآخر وبناء وعي أوسع بذاتها وبالعالم.

وقد شكّل اللقاء لحظة ثقافية دافئة، عرفت حضورًا لافتًا لجمهور سعيدة من الجنسين، حيث تفاعل الحاضرون مع تجربة الأديبة وأسئلتها حول الذاكرة والهوية والانتماء. واختُتمت الجلسة بتوقيع وبيع كتابها، في مشهد جمع بين القارئ والكاتبة داخل فضاء ثقافي جعل من الأدب جسرًا بين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية.


بقلم : أمين العرابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *