المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة يحتفي بسردٍ يعيد تعريف الهوية عبر الذاكرة والبوح
في أجواء ثقافية مشبعة بأسئلة الهوية والذاكرة، برزت الكاتبة منال بن شوك ضمن فعاليات المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة، مقدّمة تجربة سردية عميقة تتقاطع فيها الكتابة مع السينما، ويغدو فيها المرض أداة جمالية لكشف المسكوت عنه في التاريخ النسوي.
تستند تجربة بن شوك إلى توظيف مرض الزهايمر ، ليس كحالة طبية فحسب، بل كقوة رمزية تُفكك الصمت وتعيد ترتيب الذاكرة. وتؤكد الكاتبة في تصريحاتها أنّ “المرض هو الذي كشف السر”، إذ سلب الشخصية حقها في الكتمان، وجعل ما كان مخفيًا يطفو على سطح الحكاية.

الذاكرة كحقل سردي: تفكيك الصمت وإعادة البناء
تدور رواية ” ميراث الصمت ” حول شخصية “زهور و ريم ”، التي تنخرط ريم في رحلة داخلية لإعادة تركيب ماضي جدتها، عبر جمع شظايا متناثرة من الذكريات، في محاولة لفهم ما حدث، وما تم توريثه من صمت عبر الأجيال. إنها ليست فقط عملية استرجاع للوقائع، بل إعادة بناء لهوية تشكّلت في ظل المنع والكتمان.
وتعود الكاتبة إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت التجارب النسوية محكومة بقيود اجتماعية صارمة، جعلت الكثير من الحقائق تعيش في الظل.
في هذا السياق، يتحول السرد إلى مساحة مقاومة، تُعيد للمرأة صوتها، وتكشف عن تاريخها الشخصي والرمزي.
الزهايمر .. فقدان يقود إلى اكتشاف
في هذا العمل، لا يظهر الزهايمر كفقدان للذاكرة فقط، بل كمفارقة سردية لافتة : ” كلما تآكلت الذاكرة، انكشفت حقيقة أعمق. ففقدان الهوية الظاهري يفتح الباب أمام استعادة هوية أولى، كانت مطمورة تحت ثقل الصمت والخوف” .

نصّ يتنفس شعريًا .. حين يصبح النسيان لغة
ويتجلى البعد الجمالي للنص في مقاطع أدبية مشحونة بالصور الحسية والوجدانية، حيث تقول الكاتبة:
“الخوف من أن أرى كل ما أحب يبتعد عني، من أن أنسى من أكون، من أن أصبح غريبة عن حكايتي الخاصة… أترك بين أصابعي حفنة من الرمل تنفلت، حبّةً بعد حبّة… هكذا تتناثر ذكرياتي في أراضي الزمن.”
هذا النفس الشعري يمنح النص عمقًا إنسانيًا، ويجعل من التجربة الفردية مرآة لقلق جماعي حول الفقد والذاكرة والانتماء.
بين الأدب والسينما: ذاكرة تُرى وتُروى
ضمن سياق المهرجان، تكتسب هذه التجربة بُعدًا بصريًا، حيث يلتقي الأدب بالسينما في قدرتهما على استعادة الماضي وتمثيله. فالسرد هنا لا يُقرأ فقط، بل يُرى ويُحسّ، في تداخل بين الصورة والكلمة، بين اللقطة والمشهد المكتوب.

المرأة في قلب الحكاية: من الصمت إلى الشهادة
تقدّم منال بن شوك في هذا العمل نموذجًا للكتابة النسوية المعاصرة، التي لا تكتفي بسرد المعاناة، بل تسعى إلى تفكيكها وفهمها وإعادة صياغتها. إنها كتابة تُنصت لما لم يُقل، وتحوّل الصمت إلى شهادة، والغياب إلى حضور.
بقلم : أمين العرابي






