
سعيدة…نقطة الالتقاء والعبور
تُعدّ ولاية سعيدة واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في الجزائر، بفضل موقعها الذي يربط بين الشمال والهضاب العليا والجنوب، ما جعلها عبر العصور معبرًا حضاريًا وموطنًا للاستقرار البشري منذ أقدم الأزمنة.
تشهد على هذا العمق التاريخي آثار متعددة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، من كهوف وملاجئ ورسومات صخرية منتشرة في مناطق مثل عين المانعة وتيفريت ووادي سعيدة، حيث ترك الإنسان القديم بصماته الأولى في حضن هذه الطبيعة الغنية.

عبق التاريخ… حضارات مرّت من هنا
عرفت سعيدة تعاقب حضارات عديدة عبر الزمن، حيث خضعت في القرن الثالث الميلادي للوجود الروماني، وما تزال آثارهم قائمة إلى اليوم، على غرار بقايا “ليماس سبتيم سيفر” وآثار “لوكو” وغيرها من المواقع التي تنتشر عبر ربوع الولاية.
ومع مرور الزمن، شهدت المنطقة حضور الفينيقيين ثم البيزنطيين، قبل أن تدخل مرحلة جديدة مع الفتوحات الإسلامية حوالي سنة 700 ميلادي خلال العهد الأموي، لتصبح لاحقًا تحت حكم الرّستميين، ثم المرابطين فالموحدين، وصولًا إلى الزيانيين.
أما تسمية “سعيدة”، فقد جاءت بعد أن كانت تُعرف قديمًا باسم “قرسيف”، إلى أن تغيّر اسمها خلال فترات لاحقة من تاريخها، في سياق التحولات القبلية والحضارية التي عرفتها المنطقة.

من أبواب المدينة إلى قلبها النابض
بمجرد دخولك إلى مدينة سعيدة، يستقبلك عبق التاريخ من خلال بابيها العتيقين: باب تيارت شرقًا وباب معسكر غربًا، واللذين يعود تاريخ بنائهما إلى سنة 1857، وكانا يشكلان جزءًا من سور المدينة القديمة.
حول هذين المعلمين، تشكّلت ملامح المدينة الحديثة بطابعها الكولونيالي، حيث تنتشر المباني التاريخية والساحات العمومية، إلى جانب معالم دينية بارزة مثل مسجد الأمير عبد القادر، والجامع العتيق الذي يُعدّ من أقدم مساجد المدينة.
وفي قلب سعيدة، تقف الساعة الشمسية كشاهد صامت على عبقرية الإنسان، إذ تعود إلى سنة 1935، وتعتمد على ظل الشمس لتحديد الوقت، في تذكير حيّ بأحد أقدم أساليب قياس الزمن في التاريخ.


سعيدة… عاصمة المياه المعدنية
تتميّز سعيدة بثروة مائية معتبرة، جعلت منها وجهة مفضّلة للسياحة العلاجية. وتنتشر عبر ترابها ثلاثة حمّامات معدنية طبيعية، هي حمام ربي، حمام سيدي عيسى، وحمّام السخونة.
تستقطب هذه الفضاءات الزوار من مختلف مناطق الجزائر وحتى من خارجها، لما توفره من فوائد علاجية وراحة جسدية، في تجربة تجمع بين الاستشفاء ومتعة الطبيعة.
“الشلالات” لوحة طبيعية مفتوحة على الجمال
تُقدّم سعيدة لزائريها تجربة فريدة مع الطبيعة، حيث تتنوع مناظرها بين الغابات والينابيع والشلالات.
تُعدّ غابة العقبان، المعروفة أيضًا بـ”سعيدة القديمة”، من أبرز هذه الوجهات، إذ تمتد على مساحة واسعة وتتميّز بينابيعها العذبة، ما يجعلها فضاءً مثالياً للنزهة والاسترخاء وممارسة الرياضة.
كما تشتهر المنطقة بشلالات تيفريت، الواقعة شرق الولاية بمنطقة عين السلطان، والتي تُعدّ من أجمل الشلالات الطبيعية في الجزائر، حيث تنحدر المياه بغزارة مشكلة مشهدًا يخطف الأنفاس. ولا تقل عنها جمالًا شلالات هونت في الجهة الشمالية، التي أصبحت بدورها وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والتخييم.

الفنتازيا… ذاكرة الفروسية وروح الأجداد

تُعدّ الفنتازيا أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية في سعيدة، حيث تمثل أكثر من مجرد عرض احتفالي، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الفروسية والشجاعة.
ارتبطت هذه الممارسة تقليديًا بفترات المقاومة، حيث استُخدمت كتكتيك حربي قائم على الكرّ والفرّ، كما تجسّد في تجارب تاريخية بارزة قادها الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ بوعمامة.
واليوم، ما تزال الفروسية في سعيدة إرثًا حيًا تتوارثه الأجيال، حيث تحافظ القبائل على تقاليد “الوعدة”، وهي مناسبة تجمع بين البعد الديني والاجتماعي والاحتفالي، تتخللها عروض الفنتازيا في مشاهد مهيبة.
وتضم الولاية عددًا معتبرًا من الخيول، خاصة من السلالتين البربرية والعربية البربرية، تُستخدم في هذه العروض التي تنظمها فرق تُعرف بـ”العلفة”، وتتميّز بأزيائها التقليدية وانسجام فرسانها، وسبق لفرق سعيدة أن حققت بطولات خارج الوطن.










