وفاء غربال .. ترافع لتحويل الكتابة إلى موسيقى والوجع إلى حرية .

ضمن فعاليات المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة، كان لقاء الكاتبة وفاء غربال واحدًا من المحطات الثقافية التي تركت أثرًا خاصًا لدى الحضور، لما حمله من صدق وعمق وخصوصية في الطرح. فقد تحوّل اللقاء من مجرد جلسة أدبية إلى مساحة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة، وعلاقتها بالألم، والموسيقى، والحرية، والتحوّل الداخلي.

منذ بداية اللقاء، بدا واضحًا أن وفاء غربال لا تتعامل مع الأدب باعتباره ممارسة لغوية فقط، بل بوصفه تجربة وجودية كاملة، تنبع من أعماق النفس وتعود إليها. فهي كاتبة تنحاز إلى المناطق المعتمة داخل الإنسان، لا من باب التشاؤم، بل لأنها ترى أن العتمة تكشف ما لا تستطيع لحظات الفرح العابرة كشفه. ومن هنا جاء حديثها عن الحزن والتراجيديا باعتبارهما مصدرًا للعمق الإنساني، ومنبعًا للأعمال الإبداعية الكبرى.

وقد استوقفت الكاتبة الحضور وهي تستحضر صورة “الياسمين الأسود”، ذلك الرمز الذي اختارته للتعبير عن فلسفتها الفنية، حيث يتجاور النور والظلام، والرقة والقسوة، والجمال والوجع. فالنور، في تصورها، لا يظهر بكامل قوته إلا حين ينبثق من قلب العتمة، والكتابة لا تكون مؤثرة إلا حين تحمل أثر الجرح وتحوله إلى معنى.

ولم يكن الحديث عن الموسيقى مجرد تفصيل عابر في اللقاء، بل كان أحد أكثر المحاور تميزًا وتفاعلًا. فقد كشفت وفاء غربال عن علاقتها الخاصة بالموسيقى، مؤكدة أنها لا تستطيع الكتابة على وقعها لأنها تنغمس فيها كليًا. فالموسيقى بالنسبة إليها ليست خلفية هادئة ترافق الكتابة، بل كائن فني مستقل، وشخصية خفية تسكن النص وتؤثر في إيقاعه وروحه.

 

وتحدثت الكاتبة عن تأثير الأنماط الموسيقية المختلفة على الكتابة، فالفلامنكو يمنح النص طاقة عميقة نابعة من الأرض، والتانغو يضفي توترًا عاطفيًا خاصًا، بينما تصبح بعض الإيقاعات الأخرى أقل قربًا من عالمها الداخلي. وقد منح هذا الجانب الفني اللقاء بعدًا حسيًا وجماليًا، خاصة حين أشارت إلى حرصها على مرافقة بعض أعمالها بقوائم موسيقية ورموز رقمية ، تتيح للقارئ أن يدخل النص لا بعينيه فقط، بل بأذنه ووجدانه أيضًا.

وقد تفاعل الجمهور بحرارة مع هذا الطرح المختلف، حيث بدت المداخلات والأسئلة امتدادًا طبيعيًا لحالة الإصغاء التي صنعتها الكاتبة. لم يكن الحضور صامتًا بمعنى الجمود، بل كان منصتًا بعمق، متابعًا لكل فكرة، ومتفاعلًا مع كل صورة أدبية أو اعتراف إنساني. وقد أضفت الأسئلة المتنوعة على الجلسة طابعًا حميميًا، جعل اللقاء أقرب إلى حوار مفتوح بين الكاتبة وقرائها، لا مجرد محاضرة تقليدية.

 

 

 

وفي ردها على الأسئلة، فتحت وفاء غربال بابًا آخر للحديث عن الكتابة بوصفها فضاءً للحرية والتحول الداخلي. فقد وصفت فعل الكتابة بأنه مجهد، مستهلك للوقت والطاقة، ولا يمنح صاحبه دائمًا مقابلًا ماديًا يوازي ما يبذله. غير أن قيمته، في نظرها، لا تقاس بالعائد، بل بما يحققه من تحرر داخلي ومن قدرة على إعادة بناء الذات.

وأكدت الكاتبة أنها حين تكتب لا تشعر بأنها خاضعة لأي شيء، بل تعيش لحظة حرية كاملة. غير أن هذه الحرية لا تكون دائمًا حاضرة لدى شخصياتها، إذ غالبًا ما تكتب عن كائنات عالقة بين الخضوع والرغبة في السيادة، بين القيود الاجتماعية والحلم بالانعتاق. ومن هنا تبدو الكتابة لديها مسارًا لاكتشاف الذات، ومواجهة ما يفرضه المجتمع من قوالب جاهزة.

 

وترى وفاء غربال أن الإنسان لا يولد حرًا بشكل كامل، بل يولد داخل شبكة من القيود والتقاليد والتصورات المسبقة. لكن الأهم، في نظرها، هو قدرة الإنسان على الوعي بهذه القيود، ثم محاولة تجاوزها. فالخضوع قد يكون مرحلة، لكنه لا ينبغي أن يكون قدرًا نهائيًا. ومن هذا المنطلق، يتحول الأدب إلى فعل مقاومة ناعم، وإلى وسيلة لإيقاظ الوعي والرغبة في التغيير.

لقد منحت أجواء اللقاء، بحضورها الجماهيري وتفاعلها الحي، هذه الأفكار قوة إضافية. فالجمهور لم يتلقَ حديث الكاتبة بوصفه تنظيرًا بعيدًا، بل كاعتراف صادق يلامس تجارب إنسانية مشتركة. وبين الأدب والموسيقى، بين العتمة والنور، وبين الألم والحرية، تشكلت لحظة ثقافية راقية أكدت أن الكتابة قادرة على أن تكون أكثر من نص، وأن تتحول إلى تجربة حياة.

وفي ختام اللقاء، بدا أن وفاء غربال لم تقدم فقط شهادة عن تجربتها الأدبية، بل قدّمت درسًا في معنى الإبداع حين يكون صادقًا، وفي قدرة المرأة الكاتبة على تحويل هشاشة التجربة إلى قوة فنية. لقد كان حضورها ضمن المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة احتفاءً بالصوت الأنثوي المبدع، وبالأدب حين يتجاوز حدود الورق ليصبح موسيقى داخلية، ووعيًا، وحرية.
بقلم : أمين العرابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *