ياسمينة خضرا: الكاتب الذي حوّل الجرح إلى أدب عالمي

يُعد محمد مولسهول، المعروف باسم ياسمينة خضرا، واحدًا من أعمدة الأدب الجزائري الناطق بالفرنسية، وصوتًا فريدًا في الساحة الأدبية العالمية. وُلد عام 1955 في بلدة قنادسة، جنوب غرب الجزائر، ونشأ في بيئة مشبعة بالقصص الشفوية التي كانت والدته البدوية ترويها، مما زرع فيه مبكرًا بذور الحكي والخيال. في التاسعة من عمره، أُرسل إلى المدرسة العسكرية في تلمسان، وهي تجربة صقلته بقدر ما قيّدته، وجعلت من الكتابة ملاذًا داخليًا وأداة للمقاومة الذاتية.

في البداية، أراد أن يكون شاعرًا بالعربية، لكنه وجد صوته الأدبي الحقيقي بالفرنسية، مدفوعًا بتشجيع أستاذ فرنسي الأصل. نُشر أول أعماله “حورية” عام 1984، لكن انطلاقته الكبرى لم تأت إلا في التسعينيات، عندما قرر نشر أعماله تحت اسم زوجته “ياسمينة خضرا”، هربًا من الرقابة المفروضة عليه كضابط في الجيش الجزائري.

ما يميز ياسمينة خضرا ليس فقط غزارة إنتاجه الأدبي، بل عمق رؤيته التي تتجاوز الثنائية التقليدية بين “المستعمِر والمستعمَر”. فهو لا يكتب من موقع الضحية، بل من موقع الإنسان الباحث عن المعنى وسط عالم مضطرب، يعاني من صدمات الهوية، والدين، والعنف، والحروب. رواياته مثل “الاعتداء”، “سنونوات كابول””, و”الفضلاء”، ليست مجرد قصص، بل محاولات جادة لفهم ما بعد الاستعمار، والعلاقات المتوترة بين الإسلام والغرب، دون الوقوع في فخ الشعارات أو الأحكام الجاهزة.

في “الفضلاء”، على وجه الخصوص، يظهر خضرا كمثقف يرفض الانخراط في صراعات إيديولوجية، مفضّلًا أن يلجأ إلى اللغة بوصفها وسيلة للترميم، ومرآة للذات الجريحة. وهنا تتجلى خصوصيته ككاتب لا يخشى ملامسة الجرح، لكنه يفعل ذلك بأدب رفيع، ولغة شاعرية رصينة، تستدرج القارئ إلى التفكير بدلًا من إصدار الأحكام.

أعماله تُرجمت إلى أكثر من 40 لغة، وحظيت باهتمام عالمي، سواء في الصالونات الأدبية أو على خشبات المسرح وشاشات السينما. ياسمينة خضرا ليس مجرد كاتب جزائري ناجح، بل حالة أدبية نادرة تُجسد كيف يمكن للأدب أن يكون أداة لفهم العالم، لا للهروب منه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *